حصار هرمز يعمّق أوجاع العولمة
تتجاوز انعكاسات إغلاق مضيق هرمز أسعار النفط والغاز لتطال سلاسل الإمداد، والتأمين البحري، والصناعات التكنولوجية، بل والأمن الغذائي العالمي، في تصاعد دراماتيكي لأزمة العولمة الرأسمالية
شهدت أسواق النفط العالمية أمس الإثنين قفزة جديدة في الأسعار مدفوعة بأحدث تبادل للضربات العسكرية بين الولايات المتحدة وإيران. ورغم أن الأنظار تتجه تلقائياً نحو براميل النفط وناقلات الغاز كمؤشر للتعقيدات الاقتصادية المتفاقمة بسبب استمرار إغلاق مضيق هرمز، فالواقع أن اضطراب أسعار الطاقة ليس سوى قمة جبل الجليد في أزمة العولمة الرأسمالية التي تتراكم تعقيداتها منذ عقود طويلة وبدأت تأخذ منحى أكثر دراماتيكية مع إطلاق العدوان الأمريكي الإسرائيلي على إيران نهاية فبراير / شباط الماضي.
وكشف الحصار البحري المستمر لبلدان حوض الخليج، والذي دخل شهره الثالث، عن هشاشة سلاسل الإمداد الدولية وعجز النظام الرأسمالي العالمي عن امتصاص الصدمات الجيوسياسية في خطوط الملاحة الحيوية بعدما تحولت الأزمة الراهنة من محاولة أمريكية إسرائيلية لإسقاط النظام في طهران إلى إعادة صياغة شاملة لمفاهيم التأمين البحري، والأمن الصناعي، والسيادة الاقتصادية للقوى الكبرى والناشئة على حد سواء.
وبغير قرابة 1500 سفينة وناقلة عملاقة عالقة في مياه الخليج منذ ثلاثة أشهر، تشير تقديرات الخبراء إلى تبدل جذري في هيكل تكاليف الشحن، حيث قفزت معدلات تأمين مخاطر الحرب للسفن العابرة للمضيق لتتراوح بين 1 و4 بالمئة من القيمة الإجمالية للسفينة، صعوداً من مستويات ما قبل الحرب التي كانت تبلغ 0.25 بالمئة فقط. ويترجم هذا الارتفاع الملحوظ إلى ملايين الدولارات الإضافية للرحلة الواحدة، وهو ما يتحمله المستهلك النهائي في نهاية المطاف.
وكذلك تبقى المخاوف قائمة حول سلامة الممرات الملاحية من الألغام، ما يجعل شركات الملاحة تتردد في استئناف العمل حتى في حال التوصل إلى اتفاق سياسي بين واشنطن وطهران. ويتفق خبراء الشحن البحري على أن السوق ستتذكر طويلاً سرعة ارتباك الملاحة في هرمز، وستعاني من أسعار تأمين مرتفعة لفترات طويلة تمتد لسنوات بعد انتهاء العمليات العسكرية.
أوروبياً، تُظهر البيانات الاقتصادية المتخصصة عن أثر إغلاق مضيق هرمز تبايناً بين التأثير المباشر على حركة التبادل التجاري مع دول حوض الخليج والانعكاسات الأعمق على اقتصاديات القارة.
ففي الظاهر، تبدو الأرقام الإجمالية محدودة التأثير؛ إذ مثلت الواردات الألمانية من الدول المعتمدة على المضيق (قطر، الإمارات، الكويت، العراق، البحرين، وإيران) نحو 0.4 بالمئة فقط من إجمالي واردات برلين لعام 2024، في حين بلغت النسبة 1.8 بالمئة بالنسبة للواردات من خارج الاتحاد الأوروبي ككل. كما أن الحجم الكلي للصادرات الألمانية التي تمر مباشرة عبر المضيق يقل عن 1 بالمئة. على أن التحليل التفصيلي على مستوى القطاعات الفردية يكشف عن نقاط ضعف صناعية حادة.
وتتركز التهديدات المباشرة للصناعة الألمانية – كأهم اقتصاد أوروبي - في سلع استراتيجية يصعب استبدالها بشكل فوري، وعلى رأسها الألومنيوم غير المخلوط الذي تعتمد عليه المصانع الألمانية بشكل كبير لتأمين قطاعات السيارات والطيران، بالإضافة إلى الزيوت المتوسطة والنفط الخام التي تشكل عصب قطاع التكرير والصناعات الكيماوية التقليدية.
ويظهر الأثر الحقيقي للحصار عند تقييم واردات الاتحاد الأوروبي ككتلة موحدة نتيجة ترابط شبكات التوزيع الداخلية، حيث يمر حوالي 6.2 بالمئة من إجمالي النفط الخام المستورد من خارج الاتحاد الأوروبي عبر مضيق هرمز، وتصل النسبة إلى 8.7 بالمئة من الغاز الطبيعي المسال القادم من دول غير أعضاء في الاتحاد. وبجانب ذلك، حذرت المفوضية الأوروبية من ضغوط متزايدة تحيط بوقود الطائرات بعدما قررت شركات الطيران الكبرى مثل “لوفتهانزا” و”كي إل إم” تقليص عدد رحلاتها الجوية نتيجة لارتفاع الأسعار.
وتتجاوز انعكاسات إغلاق مضيق هرمز حدود القارة الأوروبية لتصيب مفاصل الإنتاج العالمي والصناعات التكنولوجية المتقدمة في عموم القارة الآسيوية والدول النامية، ما سيكون له بالضرورة تأثيره السلبي على أسعار وتوفر الواردات عبر أوروبا من وارسو إلى دبلن. وتعيد الأجواء الحالية في قطاع الشحن البحري للأوروبيين ذكريات الاختناقات التي صاحبت جائحة كورونا، مؤكدة ترابط الاقتصاد العالمي واستحالة عزل الأسواق.
ويمتد أثر تعطل إنتاج الغاز في الخليج بسبب الهجمات والأضرار الهندسية التي لحقت بوحدات التسييل إلى قطاعات دقيقة للغاية على رأسها أزمة عنصر الهيليوم، إذ توفر قطر وحدها قرابة ثلث الإمدادات العالمية من هذا الغاز الحيوي المستخرج كمنتج ثانوي للغاز الطبيعي. ويعدّ الهيليوم مادة رئيسية تشتريها شركات أشباه الموصلات العملاقة في كوريا الجنوبية وتايوان لتبريد آلات نقش الدوائر الإلكترونية، بجانب استخدامه الأساسي في تبريد مغناطيس أجهزة الرنين المغناطيسي الطبية. وقد أدى غياب الشحنات القطرية إلى تضاعف أسعاره في دول كثيفة السكان مثل الهند، على نحو يهدد أسس الرعاية الصحية لا سيما في المستشفيات الريفية. وتزامن ذلك مع أزمة تكرير تسببت في نقص حاد في مادة “النفتا” الكيماوية المستخدمة في الصناعة دفع شركات الأغذية الكبرى في شرق آسيا إلى إزالة الألوان من غلاف المنتجات لتوفير الحبر - المعتمد على النفتا -، في حين خفضت مصانع البلاستيك في كوريا الجنوبية إنتاجها الإجمالي.
ولا تتوقف المعضلة عند حدود الصناعات التكنولوجية، بل تضرب الأمن الغذائي العالمي؛ إذ تمثل منطقة الخليج مصدراً رئيسياً للأسمدة الكيماوية، حيث تسهم خمس دول مطلة على المضيق (إيران، السعودية، قطر، الإمارات، والبحرين) في تأمين أكثر من ثلث المخزون العالمي من سماد اليوريا النيتروجيني. وتسببت إغلاق المضيق في ارتفاع أسعار اليوريا بنسبة 80 بالمئة منذ فبراير الماضي وفقاً لبيانات البنك الدولي، ما أجبر المزارعين في باكستان وبنغلاديش وإفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، على الزراعة في تربة مجهدة وفقيرة، الأمر الذي يهدد المحاصيل في الأشهر القادمة، وينذر بموجات سوء تغذية واسعة النطاق.
وفرض العدوان الأمريكي الإسرائيلي على إيران شروع دول الإقليم في البحث عن مسارات جغرافية جديدة لتفادي عنق الزجاجة في مضيق هرمز. وتتجه النقاشات الحالية نحو مشاريع بنية تحتية عملاقة تتطلب استثمارات بمليارات الدولارات وجداول زمنية تمتد لسنوات، ومنها مقترح إنشاء خط أنابيب عبر شبه الجزيرة العربية يمتد من حقول الخليج إلى محطة تصدير وتسييل جديدة على البحر الأحمر، أو مد شبكة الأنابيب جنوباً لتحقيق الربط المباشر مع ميناء الدقم العماني المطل على بحر العرب. ومع ذلك، تظل مثل هذه الشبكات الممتدة عرضة للتقلبات السياسية والهجمات الصاروخية والطائرات المسيرة.
إن أزمة العولمة المتفاقمة التي أطلقها العدوان على إيران تدفع نحو ضرورة مراجعة الترتيبات الأمنية للممرات المائية في الشرق الأوسط؛ حيث يرى خبراء ألا مناص من انتقال مسؤولية حماية أمن الملاحة في مياه الخليج والبحر الأحمر من الاعتماد الحصري على المنظومة العسكرية الأمريكية إلى شراكة دولية جماعية تشمل ترتيبات تقبل بها طهران، وتشارك فيها بشكل خاص القوى الآسيوية الفاعلة، باعتبارها المستهلك الأكبر والأكثر تضرراً من توقف تدفقات الطاقة والسلع الحيوية عبر هرمز. وبغير ذلك، فإن انعكاسات إغلاق المضيق مرشحة للاستمرار والتمدد إلى مزيد من القطاعات والمجتمعات.
نشر هذا المقال في صفحة الدوليات بجريدة الأخبار اللبنانية عدد 2 يونيو 2026


