سعيد محمد - لندن

قراءة ماركسية في تشكّل الهوية الإسلامية الأموية (6) ابن شهاب الزهري: مشروع ولادة "الإسلام" المكتوب

تزامنت اللحظة الإمبراطورية الأموية مع انتقال الإسلام من حضورٍ معماريٍ وسياديٍ مرئيٍ إلى بنيةٍ نصّيةٍ منظّمةٍ عبر مشروع الزهري، الذي حوّل الذاكرة الدينية إلى أرشيف مكتوب يعيد إنتاج الهوية عبر الزمن.

سعيد محمد - لندن's avatar
سعيد محمد - لندن
Feb 15, 2026
∙ Paid

في العقود الأخيرة من القرن السابع، كانت الدولة الأموية قد نجحت في تثبيت حضورها عبر أدوات مادية كثيفة التأثير: تعريب الدواوين، والعملة العربية التي حملت الشهادة، والعمارة التي جسّدتها قبة الصخرة، والعاصمة الدمشقية التي نظّمت المجال الإمبراطوري حول مركز سياسي واحد. هذه الأدوات صنعت إطاراً مرئياً للسيادة، وربطت التوحيد بحركة السوق، وبالفضاء المعماري، وبإيقاع الحياة اليومية. ومع ذلك، كان تثبيت الهوية الإمبراطورية يحتاج مستوى أعمق من الاستقرار، مستوى يعمل داخل الزمن نفسه، ويعيد إنتاج المعنى عبر الأجيال. ولذلك كان لا بدّ من تحويل التوحيد من خطاب متداول في الذاكرة الجماعية إلى نظام نصّي منظم ومُدوَّن.

في هذا السياق التاريخي يظهر محمد بن مسلم بن شهاب الزهري (ت. 742م) بوصفه أحد أهم الفاعلين في نقل الإسلام من طور التداول الشفهي إلى طور الإنتاج النصّي المؤسسي. دوره يتجاوز جمع الروايات إلى بناء بنية معرفية تتناغم مع حاجات الدولة الإمبراطورية، وتحوّل الذاكرة الدينية إلى أداة استقرار سياسي. الزهري عمل في لحظة التقاء بين تراكمات التوحيد السابقة ومتطلبات الدولة الأموية التي بلغت ذروة نضجها المؤسسي بعد إصلاحات عبد الملك بن مروان.

السياق الاجتماعي للزهري: شريحة المثقفين في خدمة الدولة

ولد الزهري نحو سنة 671م في الحجاز، ونشأ داخل بيئة مدينية تميّزت بكثافة تداول النص القرآني، وتقاليد الرواية الشفوية، والتفاعل المستمر بين المعرفة والسلطة. هذه البيئة شكلت مخزوناً معرفياً واسعاً، وجعلت النص عنصراً مركزياً في تنظيم الجماعة. انتقال الزهري لاحقاً إلى الشام وضعه داخل فضاء مختلف: فضاء الدولة الإمبراطورية ذات الجهاز الإداري المعقّد، والطبقة الحاكمة التي تسعى إلى إنتاج نظام رمزي متماسك.

من منظور مادي–تاريخي، يمثّل الزهري نموذجًا لشريحة جديدة نشأت داخل الإمبراطورية العربية الصاعدة: فئة العلماء (المثقفين) المرتبطين بالمركز السياسي، الذين يعملون كوسطاء بين السلطة والذاكرة الجماعية. هذه الشريحة تؤدي وظيفة بنيوية في إعادة صياغة الماضي بما يتناسب مع الحاضر الإمبراطوري، وتُنتج خطاباً يربط الدولة بسلسلة زمنية ممتدة تعطيها عمقاً تاريخياً ومعنى شرعياً.

مشروع التدوين: تنظيم الزمن بوصفه أداة حكم وتحويل الذاكرة إلى بنية نصّية

ارتبط اسم الزهري بأول مشروع واسع لتدوين الحديث النبوي وتنظيم الرواية. هذا المشروع الذي أطلقه هشام بن عبد الملك (حكم من 724م إلى 743م) يمثل نقطة تحوّل في تاريخ الإسلام، حيث انتقل من كونه مجموعة روايات متفرقة متداولة شفهياً إلى نظام نصّي منظم. عملية التدوين هذه تحمل دلالة تتجاوز المعرفة الدينية إلى مستوى أعمق يتعلق بتنظيم الزمن نفسه. النص المكتوب يخلق استمرارية تتجاوز الأفراد، ويؤسس ذاكرة مستقرة تعيد إنتاج الهوية عبر الأجيال.

الدولة الأموية، التي نجحت في توحيد الفضاء الجغرافي عبر العملة والعمارة والإدارة، احتاجت أيضاً إلى توحيد الفضاء الزمني. التدوين يحقق هذا الهدف عبر تثبيت رواية موحدة عن الماضي، وربط الجماعة بتاريخ مشترك، وجعل هذا التاريخ مرجعاً دائماً للشرعية. الزهري لعب دوراً مركزياً في هذا التحول عبر جمع الروايات، وتنظيمها ضمن بنية الإسناد، وتحويل الذاكرة إلى نظام يمكن إدارته ونقله. هذا التحول جعل الإسلام قابلًا للاستمرار بوصفه نظاماً نصّياً متماسكاً.

العلاقة مع البلاط الأموي: المعرفة داخل جهاز الدولة

عمل الزهري قريباً من البلاط الأموي، خاصة في عهد عبد الملك وخلفائه. هذا القرب يعكس إدراك الدولة لأهمية المعرفة في إنتاج الشرعية. النصوص التي يجمعها الزهري وتدوّن لاحقاً تشكّل إطاراً رمزياً يربط الحكم الأموي بسلسلة من المعاني الدينية، ويجعل السلطة القائمة جزءاً من نظام كوني أوسع.

هذا الدور يمكن فهمه ضمن مفهوم “أجهزة الدولة الأيديولوجية” كما طوّره لويس ألتوسير. المعرفة هنا تعمل كجهاز يعيد إنتاج الطاعة عبر المعنى، ويجعل النظام السياسي يبدو امتداداً طبيعياً للنظام الديني. الزهري يساهم في بناء هذا الجهاز عبر تنظيم الرواية، وتصنيف الأخبار، وربطها بإطار لغوي موحّد.

User's avatar

Continue reading this post for free, courtesy of سعيد محمد - لندن.

Or purchase a paid subscription.
© 2026 Said · Privacy ∙ Terms ∙ Collection notice
Start your SubstackGet the app
Substack is the home for great culture