إيران بين الريع والثورة: قراءة في كتاب هما كاتوزيان
يعلو التفسير الثقافي على التحليل الطبقي في تأريخ كاتوزيان لإيران المعاصرة فيحيل أزماتها إلى خاصية تاريخية داخلية أكثر مما يقرأها بوصفها نتاجاً لتشابك الريع والاستبداد والنخب التابعة والصراع الإمبريالي
يأتي كتاب هما كاتوزيان “إيران والثورة - 2026”، الصادر عن مطبعة جامعة ييل، في لحظة إيرانية مفتوحة على أسئلة السلطة والمجتمع والهوية والاقتصاد، حيث العودة إلى التاريخ الحديث وكأنّها ممر إجباري لفهم بنية الأزمة الحالية، أكثر منها تمريناً في استعادة وقائع مضت وانتهى أثرها. يقدّم كاتوزيان، وهو الأكاديمي الإيراني/البريطاني المعروف باشتغاله الطويل على الاقتصاد السياسي والأدب الفارسي والفكر الاجتماعي، قراءة واسعة لمسار الدولة الإيرانية منذ سقوط رضا شاه عام 1941، مروراً بانقلاب 1953 ضد محمد مصدق، وصولاً إلى الثورة الإسلامية عام 1979 وما تلاها من تشكل نظام إسلامي استطاع أن يعيد إنتاج هوية الدولة الإيرانية عبر الريع النفطي، والضبط العقائدي، والتحالفات الإقليمية، والدولية.
تقوم أطروحة النص المركزية على مفهوم “المجتمع قصير الأجل”، أو “مجتمع المعول”، وهي استعارة يستخدمها المؤلف لوصف تاريخ سياسي يتكرر فيه هدم البناء المؤسسي ثم إعادة تشييده من الصفر، في دورة تمنع تراكم القانون والحقوق والمؤسسات، وتدفع المجتمع إلى العيش داخل زمن متقطع، سريع الاشتعال، محدود الثقة بالمستقبل. في هذا التصور، تبدو إيران سجينة انقطاعات حادة تجعل كل مرحلة تاريخية تبدأ بوصفها تأسيس جديد، محكومة بسلطة مركزية شديدة، وذاكرة سياسية مثقلة بالتوجس، وفجوة مزمنة بين الدولة والجمهور.
تكتسب هذه الأطروحة قوة تفسيرية واضحة عند تناول العهد البهلوي الثاني، خصوصاً بعد انقلاب 1953 الذي أعاد الشاه محمد رضا بهلوي إلى مركز السلطة، وفتح الباب أمام حكم فردي اعتمد على جهاز بيروقراطي وأمني شديد التمركز، وعلى فائض نفطي متعاظم منح الدولة قدرة واسعة على الإنفاق والسيطرة والمراقبة. غير أن هذا التحديث الفوقي، الذي بلغ ذروته في “الثورة البيضاء” خلال الستينيات، حمل داخله تناقضات اجتماعية عميقة؛ فقد أدت الإصلاحات الزراعية والتعليمية ومشاريع التنمية المسرّعة إلى تفكيك البنى الريفية التقليدية، ودفع أعداد واسعة من السكان نحو المدن، حيث تشكلت أحزمة فقر حضرية حول طهران والمدن الكبرى، في تماس مباشر مع البازار والشرائح التجارية التقليدية التي شعرت بدورها بتآكل موقعها داخل الاقتصاد الجديد.
من هذه المادة الاجتماعية المتوترة تكونت القاعدة الشعبيّة التي استطاع الإمام آية الله الخميني مخاطبتها وتعبئتها. فقد التقت في الحركة الثورية قوى شديدة التباين: عمال النفط، البازار، رجال الدين، اليساريون، القوميون، والطلاب، ضمن جبهة مؤقتة جمعتها الرغبة في إسقاط الحكم الفردي أكثر مما جمعتها رؤية موحدة لمستقبل البلاد. ومع اتساع القمع عبر جهاز السافاك، وانسداد قنوات المشاركة السياسية، وانفجار الإضرابات في القطاعات الحيوية، خصوصاً قطاع النفط في الجنوب، بدأ النظام يفقد قدرته على إدارة المجتمع والدولة معاً. وعندما امتنعت المؤسسة العسكرية عن خوض مواجهة دموية شاملة مع الشارع، انهار العرش البهلوي وفتح الباب أمام صراع سريع بين شركاء الثورة.
يولي كاتوزيان أهمية كبيرة للحظة اقتحام السفارة الأمريكية واحتجاز الدبلوماسيين عام 1979، باعتبارها نقطة تحول أتاحت للتيار الإسلامي الحاكم تثبيت هيمنته، وإبعاد خصومه اليساريين والعلمانيين، وإعادة تشكيل المجال العام باسم الثورة والهوية والمقاومة. وسريعاً جاءت الحرب العراقية-الإيرانية لتوفر إطاراً تعبويّاً واسعاً، سمح للنظام الجديد بتوسيع أدوات الضبط، وأسلمة مؤسسات الدولة، وترسيخ شرعية قائمة على الحصار وروح التضحية والتوحد في مواجهة الخطر الخارجي. وهكذا تحولت الثورة من تحالف اجتماعي متنوع إلى سلطة مركزية جديدة تملك خطاباً خلاصياً، وجهازاً أمنياً، وشبكات اقتصادية، ومؤسسات عقائدية قادرة على إعادة إنتاج الولاء وحصد التأييد العريض.
الإمام الخميني / جيمي كارتر
يربط الكتاب هذا المسار بمفاهيم فكرية لعبت دوراً كبيراً في بلورة المخيال الثوري، وعلى رأسها مفهوم “الغربزدكي”، أو الافتتان المرضي بالغرب، الذي صاغه أحمد فرديد وطوره جلال آل أحمد. فقد عبّر هذا المفهوم عن أزمة هوية عميقة ولّدها التحديث القسري، ثم تحول داخل الدولة الجديدة إلى أداة أيديولوجية لمقاومة النموذج الثقافي الغربي، وضبط المجال الاجتماعي، خصوصاً جسد المرأة ولباسها وحضورها العام. ومن هنا تصبح قضية الحجاب والفضاء المدني، في قراءة الكتاب، امتداداً لصراع أوسع حول معنى الحداثة، وحدود السلطة، وموقع الأجيال الشابة داخل مجتمع تحكمه مؤسسات دينية وأمنية شديدة الحساسية تجاه أي مستورد.
محمد مصدق
مع ذلك، تكمن محدودية الطرح في النقطة ذاتها التي تمنحه تماسكه النظري. فكثرة اعتماد كاتوزيان على نظرية “المجتمع قصير الأجل” تدفعه أحياناً إلى قراءة الثورة بوصفها نتيجة ثقافية وسيكولوجية لتاريخ إيراني متقطع، أكثر من كونها انفجاراً مادياً لعلاقات إنتاج مأزومة داخل دولة ريعية تابعة للنظام الرأسمالي العالمي. وهذا تحديداً يظهر القصور الواضح في إسناد دور كاف للبروليتاريا الإيرانية، خصوصاً عمال النفط الذين شلّت إضراباتهم الشريان المالي للدولة، وحوّلت الغضب الشعبي إلى قوة مادية قادرة على تعطيل ماكينة الحكم. فالثورة، من منظور مادي/تاريخي، حدث طبقي بقدر كونها حدثاً ثقافياً أو دينياً؛ إنها لحظة تقاطع فائض نفطي محتكر، وتحديث رأسمالي تابع، وتهميش حضري واسع، وتحالفات اجتماعية متناقضة وجدت في إسقاط الشاه مدخلاً لإعادة توزيع السلطة والثروة.
محمد رضا بهلوي
يتجلى هذا الخلل أيضاً في قراءة كاتوزيان للجمهورية الإسلامية المعاصرة، إذ يركّز على غياب الاستقرار القانوني والمؤسسي، وعلى أثر الحكم العشوائي في إضعاف الملكية والتنمية، ضمن مقاربة تكشف خلفية ليبرالية واضحة، ترى في انتظام القانون شرطاً مركزياً للتقدم، وتتبنى، بصورة صريحة أو مضمرة، الأطروحة التحديثية البرجوازية التي تجعل من النموذج الغربي المعياري الطريق الأوحد إلى الاستقرار المؤسسي والتراكم المعرفي. ومن هذا المنطلق، يستبدل المؤلف التفكيك الطبقي للمؤسسات الحاكمة بالتركيز على السير الذاتية للشخصيات المحورية ومواقفها الأخلاقية الفردية، فيصف النخب الحاكمة بالمتشددين أو البراغماتيين، ويستخدم تصنيفات سياسية عامة تحجب المصالح الاقتصادية المحددة لكل جناح من أجنحة السلطة داخل هيكل الدولة الريعية. وعلى هذا الأساس، تبدو رؤيته قاصرةً عن قراءة النخبة الحاكمة الجديدة بوصفها تحالفاً مركباً بين مؤسسات دينية، وأجهزة أمنية، وشبكات اقتصادية، وقطاع عسكري رأسمالي، ومصالح تجارية تتولى إدارة الفائض الريعي وإعادة توزيعه بما يحمي النظام القائم ويضمن استمراره. فالأزمة، في جوهرها، تتجاوز اضطراب القانون إلى طبيعة المُلكية ذاتها، وموقع النفط في إنتاج السلطة، ودور العقيدة الشيعية في بناء التحالفات الطبقية وتغليف علاقات الهيمنة، فضلاً عن التناقضات الهيكلية المتأصلة في النظام الرأسمالي العالمي عند تعامله مع المحيط الجيوسياسي للشرق الأوسط.
إيران اليوم
تكمن قيمة “إيران والثورة” في قدرته على تقديم تاريخ واسع ومتماسك، يربط الذاكرة السياسية الإيرانية بأزمة الدولة الحديثة، ويجعل مفهوم الانقطاع أداة نافعة لفهم تكرار الثورات والانتفاضات والانهيارات. أما حدوده فتظهر حين يعلو التفسير الثقافي والسيكولوجي على التحليل الطبقي، فيقرأ الأزمة الإيرانية بوصفها قدراً تاريخياً داخلياً أكثر منها حصيلةً لتشابك بنى السلطة والثروة والتبعية. لذلك يبقى الكتاب مساهمة نافعة، بل ضرورية، شريطة وضعه في مواجهة منظور مادي/ تاريخي يرى في الثورة الإيرانية حركة جماهيرية طبقية تشكلت داخل تقاطعات مادية وتاريخية ودبلوماسية معقدة، وأنتجت سلطة ذات خطاب ديني متفرّد أدارت طاقة الثورة وأعادت توجيهها نحو بناء نظام جديد، بينما تبدو الجمهورية الراهنة تحالفاً طبقياً لإدارة الفائض الريعي، يجد في لغة العقيدة والأيديولوجيا أداته المركزية لتمرير منطقه في سياسة الثروة والقوة والولاء.
------
Iran and the Revolution by Homa Katouzian, Yale University Press, 2026.
نشر هذا المقال في ملحق كلمات الأسبوع بجريدة الأخبار اللبنانية عدد السبت 13 يونيو 2026







