سعيد محمد - لندن

سلسلة العجول الذهبيّة –2 : يوفال نوح هراري: المؤرخ المفضّل للنّخب الليبرالية

فذلكات هراري وأوهامه وحلوله جميعها لا تصمد أمام النقد التاريخيّ والسياسيّ، ولن تفلح محاولاته في إنقاذ النيوليبرالية، تلك الأيديولوجيا المجرمة التي ماتت اكلينيكيّاً في 2008، وأصبحت اليوم كما جثّة منتنة

سعيد محمد - لندن's avatar
سعيد محمد - لندن
Jun 20, 2026
∙ Paid

للإسرائيلي يوفال نوح هراري معجبون كثر في أوساط الليبراليين العرب وحاز عندهم مكانة شامان أيديولوجيا جديد يمدّهم بفهم متكامل للعالم تاريخاً وواقعاً ومستقبلاً. هؤلاء بالطبع يصدّقون ثناء أمثال أوباما وزوكربيرج وغيتس على هراري وترويجهم لكتبه المتلاحقة وهم الذين كان ينقصهم بشدّة مؤرخ ومنظّر بارع لينقذ سمعة النيوليبراليّة المفلسة، ويضع لهم منطقاً مقروءاً مقنعاً للمغفلين في حتميّة تولّي “النخبة” لمهمّة قيادة البشر نحو “سلام عالمي”. فذلكات هراري وأوهامه وحلوله جميعها لا تصمد أمام النقد التاريخيّ والسياسيّ، ولن تفلح محاولاته في إنقاذ النيوليبرالية، تلك الأيديولوجيا المجرمة التي ماتت اكلينيكيّاً في 2008، وأصبحت اليوم كما جثّة منتنة تنتظر أحداً ما ليدفعها بقدمه إلى حفرة مثواها الأخير.

في كتابه الأخير،”21 درسا للقرن الحادي والعشرين”، يستكمل المؤرّخ (الإسرائيلي) يوفال نوح هراري مشروعه النظريّ الذي ابتدأه ب “سابينز: تاريخ موجز للبشرية” (بالعبرية،2011) وفيه تناول الماضي و”هوموديوس: لمحة تاريخية عن الغد” (بالعبرية 2015) ونظّر فيه للمستقبل، فيما ال”21 درساً” التي يلقي علينا تتضمن إشارات ومواقف بشأن الحاضر: من صعود الشّعبوية إلى (البريكست) خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، ومن دونالد ترامب إلى فيسبوك وغيرها. وقد حققت كتبه الثلاثة نّجاحاً تجاريّاً استثنائيّاً انعكس على أرقام مبيع قياسية (في فئتها)، وترجمت سريعاً إثر صدورها إلى عدة لغات (بما فيها العربيّة). القرّاء المطلّعون على كتابي هراري الأوّلين لم يجدوا جديداً في “الدروس”، حيث معظم الطروحات وكأنّها إعادة تدوير واجترار لأعماله السابقة. ومع ذلك، فإن هذا الكتاب الأخير ربّما يكون أفضل الثلاثة لناحية الكشف عن منطق المشروع الأيديولوجيّ لهراري والذي يهدف بشكل رئيس إلى تلميع حكم “النخب” النيوليبرالية” وإجلاس نظامها في صورة قدر البشريّة المحتّم.

في “سابينز” وضع هراري أسس ذلك المشروع: تاريخ البشر يتقدّم نحو رؤية طوباوية لإمبراطورية عالمية تديرها “نخبة” دولية تضمن السّلام العالمي، وأنّه لا بديل ممكناً للديمقراطيّة بصورتها الليبراليّة - حتى وإن فشلت تماماً في تحقيق أمال البشريّة بالازدهار والعدالة الاجتماعيّة في المرحلة التاريخيّة الحاليّة -بوصفها الأقدر على التعامل مع التحديّات الحاليّة التي تواجه الكوكب، وهي صورة برّاقة سرعان ما تلقّفتها الأوساط الليبراليّة - فور نقل الكتاب إلى الإنجليزيّة في 2014 - التي كانت تعيش حينها أسوأ أوضاعها منذ عقود طويلة بعدما قادت سياساتها الفاشلة إلى الأزمة الماليّة العالميّة في 2008 وما ترتّب عليها من ركود اقتصادي لم يشهد العالم مثله (وقت السّلم) منذ 1928. ولذا فقد سارعت تلك الأوساط إلى احتضان الرّجل، والترويج لكتابه، ومنحه مئات الفرص لإلقاء المحاضرات وعمل المقابلات مقابل أجور باهظة لدرجة أن أطلقت عليه مجلّة أمريكيّة حينها لقب “مؤرخ وادي السليكون المفضل”. غلاف الترجمة الإنجليزية ل “سابينز” حمل إشادات من باراك أوباما – الرئيس الأمريكي الأسبق - شخصيّاً، وكذلك بيل غيتس – مؤسس مايكروسوفت -، وسارع الأخير كما مارك زوكربيرج – مؤسس فيسبوك – إلى إدراج الكتاب في قوائمهم للكتب الموصى بها.

استكمل هراري في “هوموديوس” رصف المشهد الليبرالي انطلاقا من مسلّماته التاريخيّة التي صاغها في “سابينز”، معتبراً النّموذج الغربيّ للديمقراطيّة الليبراليّة قدراً عالميّاً لا مناص منه إن أرادت البشريّة مواجهة تحديّات العالم الحديث. وقد تكررت مسرحيّة ترويج النّخب الليبراليّة لعبقريّة المؤرّخ الإسرائيلي مجدداً حول “هوموديوس”، مما جعل السوق متعطّشة لتلقي “الدّروس” التي وظّف هراري في صياغتها كل مهاراته في الخداع اللغوي والمناورة الفكريّة لمحاولة تفسير أزمة الديمقراطية الليبرالية في القرن الحادي والعشرين عبر عزلها في المستوى الأيديولوجي المحض.

يقترح هراري أن تستعيد النّخب الليبرالية ذاتها السّلطة، عبر خلق “سرديّة محدثة” للعالم
User's avatar

Continue reading this post for free, courtesy of سعيد محمد - لندن.

Or purchase a paid subscription.
© 2026 Said · Privacy ∙ Terms ∙ Collection notice
Start your SubstackGet the app
Substack is the home for great culture